رونو – براي Renaud – Bray، ملاذ محبّي القراءة وهواة القرطاسية المبتكرة.

هو اسم أصبح أسطورة في عالم المكتبات الفرنكفونية في شمال أميركا.

والفضل يعود حتماً الى المؤسس والعلامة الفارقة في قطاع الصناعة الثقافية في كيبيك “بيار رونو” (1939 – 2016).

كان رونو منذوراً للالتحاق بالركب الكلاسيكي الذي قد يغري أي ولد ترعرع في منطقة أوترومون البرجوازية.
والده مدير في هيئة الاذاعة الكندية، ووالدته مثال للأم المحبة والمثقفة.

وكجميع الكنديين الفرنسيين المتحدرين من سلالة ثرية، كان يتوقع له أن يصبح محامياً أو طبيباً، أو أستاذ في أحسن الأحوال، أي باختصار ممارس لمهنة ليبرالية بعيدة عن مجال الأعمال إذ كان المال والتجارة في ذلك الزمن، من المحرّمات الكاثوليكية المتجذّرة في المجتمع الكيبيكي.
قلّة قليلة من أبناء هذا المجتمع الموهوبين كانوا يتجهّون نحو الادارة والتجارة من دون أن يكونوا قد ورثوا مؤسسة أو شركة عن أهلهم.

ظلّت حياة “بيار رونو” هانئة حتى عرفت منعطفاً رئيسياً مع موت والده حين كان بيار بعمر السابعة عشرة، إذ وجد نفسه فجأة مسؤولاً عن عائلة مؤلفة من ثلاثة أخوة يافعين، وهم أصغر سنّاً منه، ووالدة تحتاج إلى مشورة ابنها البكر ودعمه.
هذا الواقع المستجدّ نمّى لدي “بيار رونو” الحسّ المبكر بالمسؤولية، فظّل مرافقاً له طوال حياته ليس فقط تجاه عائلته إنما أيضاً تجاه زبائنه وموظفيه.

وبفعل هذه المستجدات والمتغيّرات، ارتسمت الجدّية على ملامح رونو فتميّز عن أترابه.

وخلافاً لمعظم أبناء جيله، لم يدخل “بيار رونو” الى الجامعة، بل اختار ان يعمل لعدة سنوات كمساعد مصور، حتى ظنّ محيطه أنه سينخرط في مهنة صنع الأفلام – وهي مهنة كانت مرغوبة جداً في ذلك الوقت.

لكنه، فجأة، ترك كل شيء وانضم الى “ادمون براي”، صاحب مكتبة في منطقة كوت دي نيج.
وكان عمره حينها 24 سنة.

عام 1971، وبمبلغ 20 الف دولار استلفه من والدته، اشترى رينو حصّة براي في المكتبة وأصبح تالياً المالك الوحيد لها، فكانت تلك بداية مؤسسة ستعرف ازدهاراً مضطرداً عبر الاعوام.

وكان لافتاً أن هذا المثقف المولع بالنقاشات الفكرية، والذي كان يشعر بقمة السعادة حين يتحدث عن الكتب مع الزبائن، تميّز أيضاً كرجل أعمال جريء ومبتكر.
وشكّل ذلك انفصالاً آخراً عن العقلية التقليدية التي كانت سائدة في المقاطعة الفرنكفونية.

ولا شك ان “بيار رونو” خسر بعض التحديات لكنه ربح أكثر منها بكثير.
فكما “سام ستاينبرغ” الذي أحدث ثورة في مجال المخازن الصغيرة، كذلك فعل “بيار رينو” في عالم الكتب الذي أدخل اليه مفهوم المكتبة الممتدة على مساحة كبيرة، وجذب زبائن لم تطأ أقدامهم يوماً مكتبة بفضل عروض مختلفة مثل فتح ابواب المكتبة لساعات اضافية، إدخال الموسيقى اليها، زينة المنزل، مستلزمات المطبخ والالعاب وغيرها.
وقد وصف المطلعون حينها هذا التحوّل بديمقراطية الثقافة.

كذلك أدخل تقنية المعلومات الى إدارة الشركة عام 1978.

وعام 1998، ابتكر تسمية “مختارات رينو-براي   Renaud-Bray Coupe de Coeur، التي تشير الى كتب صنفّها الاختصاصيون في المكتبة كمميزة وتستحق القراءة لتُعرض بوضوح داخل الفروع فتسهّل على القراء خياراتهم.

في التسعينات، حاول رينو التوسّع في اتجاه تورونتو، الا ان تجربته باءت بالفشل.

يُذكر انه لولا وجود شركة رينو-براي في السوق الكيبيكية لكانت شركة فناك الاوروبية احتكرت سوق المكتبات ذات المساحات الكبيرة في المقاطعة بعد محاولاات عديدة في التسعينات من القرن الماضي.

في موازاة هذا النجاح، اتُهم رينو بالنزعة التجارية والاحتكار اللذين حوّلا مجالاً ثقافياً الى عملية تجارية مرهونة بحسابات الربح والخسارة.
لكن من عرفوا رينو وعاصروه أكدوا انه ترك مجالا للمكتبات الصغيرة التي تقدّم خدمة شخصية في جو حميم وجدي، لكن اذا اغلقت هذه المكتبات ابوابها، فلأن الناس اصبحت تقرأ أقل أو اصبحت تعتمد على الوسائل الرقمية وليس بسبب وجود “رينو – براي”.

حتى اوليفييري Olivieri، المكتبة الشهيرة التي تقع على مقربة من جامعة مونتريال لم تصمد، وقد أنقذها نجل بيار رينو، بليز، من الإفلاس عبر ضمها الى شبكة رينو- براي، مع الابقاء على هويتها الخاصة.
تماماً كما فعل عام 2015، مع مكتبة باراغراف Paragraph  المتخصصة بالكتب الانكيزية والتي تقع على مقربة من جامعة ماكغيل وهي أيضاً قد حافظت على طابعها المميز.

الإرث الكبير

عام 2011، وعندما علم أنه مريض، سلّم “بيار رينو” مقاليد إدارة “رينو-براي” الى ابنه بليز البالغ من العمر حينها 27 عاماً، والذي اظهر اهتماماً كبيراً بعالم الكتب منذ كان مراهقاً، وقد كان الوالد واثقاً من قدرة ابنه على تطوير الشركة رغم صغر سنه.

فأُعطي “بيار رونو” قبل رحيله نعمة لا تعطى لجميع رجال الأعمال الا وهي أن يكون له وريث يتكّل عليه متأكداً ان عمله سيستمر وان هو رحل.

غير ان أسفاً واحداً واكب رينو طوال حياته وهو عدم تمكّن والدته أنيت من رؤية النجاح الذي حققه.

منذ تولّى بليز منصب الرئيس التنفيذي لشركة رينو – براي، وبالاضافة الى ضمّ مكبتي اوليفييري ووبراغراف، اكتسبت الشركة في عهده سلسلة مكتبات أرشامبو من كيبيكور عام 2015، وقد شمل هذا الاتفاق 14 فرعاً، فضلا عن البوابة الإلكترونية التي تحمل الاسم نفسه .

ومع اتمام هذه الصفقة، أصبح لدى مكتبة رينو – براي 46 فرعاً، وهي توظف حالياً نحو ألف شخص ويبلغ حجم مبيعاتها 250 مليون دولار.


متفرقات:

  • حاز “بيار رينو” وساماً برتبة فارس من قبل الجمعية البرلمانية للبلدان الناطقة بالفرنسية في عام 2007.
  • تقدّر رابطة أصحاب المكتبات في كيبيك أن شركة “رينو- براي” تسيطرعلى 35٪ من سوق الكتب في كيبيك.
  • رينو-براي، واحدة من أول شركات البيع بالتجزئة المدعومة من صندوق التضامن في كيبيك.
  • وبالاضافة الى المكتبات التي تملكها، تدير “رينو – براي” متجراً للكتب المخفوضة أسعارها على شبكة الإنترنت الى جانب متجرها الالكتروني.

(المصادر: هيئة الاذاعة الكندية – وكالة الصحافة الكندية)

كافة الحقوق محفوظة لإذاعة الشرق الأوسط في كندا
G&S-728×60

Send this to friend